دخلنا عليه مكتبه بقسم الطب النفسي بجامعة الخرطوم، يزين جدرانه صور ضخمة للدكاترة: التجانى الماحى وحسن حاج على (عمدة المتمه) وعبد العال الادريسي.
علي الجدار الشرقي رسومات غاية في الدقة لأحد المرضى النفسانيين تتميز ببراعة التجسيد والتظليل وقصيدة مدح دونها الأمين علي شبر بمناسبة قدوم الدكتور طه بعشر من المملكة المتحدة في مارس 1956م.
يا دخري البلاد حلمك علينا شويه
أعمالك جليلة وما جديدة علينا
وكرمك زاد من النيل والفرات بشويه
ياشمس الضحي الطلعت مع الضحوية
وجوار القصيدة التي يستحقها الدكتور طه بعشر، قصاصة من صحيفة السودان الجديد بتاريخ الاحد 1961/10/22 كتب في صدرها الاستاذ التجاني محمد احمد:
(فى حديث عابر لي مع الدكتور طه بعشر، الاخصائى في امراض النفس والعقل والاعصاب، قال ان الاتجاه الحديث في الطب يرمى الى ان يلم الطبيب بجميع الامراض الجسمية والنفسية على السواء بعد ان ثبت ان كثيرا من الامراض الجسمية يرجع اصلها لمرض نفسى.
لقد قرأت فى احدى المجلات مقالاً طريفاً طالب كاتبه أن يوضع زعماء العالم الكبار تحت مراقبة الأطباء النفسيين الدقيقة لأن الكاتب يرى ان معظمهم مرضى، وكم كانت دهشتي عظيمة عندما قال لي الدكتور بعشر ان هذا الرأى صحيح، واضاف قائلاً:
ان ميدان الحرب الباردة في الاصل هو النفس، الاعصاب، العقل. وأسلحة الحرب الباردة لم تخرج من التخويف والتهديد والوعيد.
وضحك الدكتور بعشر من اعماقه.)
ولا ندري ان كان الدكتور اخرج منديلا من جيبه ومسح به عيناه ام لم تكن عيناه كما هي الان تبللها الابتسامه مما يجعل حركة يده بين جيبه -حيث منديله- وعينه تكررت اكثر من مره في هذا اللقاء الجميل .
(1)
عن تسميته بـ (طه) يقول الدكتور بعشر:
كان أبي رجل دين يقرأ ويكتب ويرتل القرآن كثيراً، فسألته في احدى الايام لماذا اطلق عليّ اسم طه، فذكر لي انه كان يقرأ سورة طه عندما بشّروه بميلاي فاطلق ذات الاسم علي.
امّا عن اسم بعشر فيقول:
بعشر اسم مشتق من ابو عشرة. وكان أجدادنا في اغلب الاحيان يكون عدد ابنائهم عشرة، ووالدي عنده عشرة، خمس بنات وخمسة اولاد.
قال طه بعشر ذلك وضحك، ثم أخرج منديله من جيبه ومسح عينيه قبل ان يحكي:
فى احدى المرات سألني احد زملائي:
ــ كم انجبت من البنين يا د. طه ؟
قلت له:
ــ ثلاثة بس.
ضحك زميلي وقال:
ــ بعد دا تبقي طه بثلاثة، مش طه بعشر..!
(2)
في العام 1922 م ولد الدكتور طه بعشر في سنكات بشرق السودان وترعرع في بورتسودان التي درس فيها المرحلة الاولية والثانوي في الخرطوم ويذكر د.بعشر سخرية الاستاذ نصر الحاج على الذي قابل التلاميذ قائلاً:
ـ الرسوم الدراسية بـ 25 قرشا للشهر، أو جيبوا معاكم شهادة فقر..!
وفي العام 1944م دخل كلية غردون طالبا للطب في حقبة كنالحسان يتغنين للأطباء:
نادوهم لى
نادوهم لي
هم البزيلو البي نادوهم لي
ولأن الطالب طه بعشر أزال الكثير من الألم، حاز على وسام كتشنر لإحرازه المركز الاول في دفعته التي يقول عنها:
ــ نحن كنا سبعة طلاب طب في الدفعة هم: د. يحيى جمال أبو سيف من الخرطوم، د. عبد المنعم وصفي وكان يسكن امدرمان، د. حمدنا الله الامين من كوستي، د. عبد القادر حسن من بري، د. عبد القادر مشعال من شندي، د. موريس سدرة من الخرطوم.
وتحسر قائلاً في يقين:
رحم الله موريس سدرة، كان قد بقي في دفعتنا ثلاثة اطباء من سبعة، وبرحيل موريس بقيت أنا ويحي أبو سيف.
(3)
بداية حياته العملية، أو مايُعرف بالامتياز، كان بالخرطوم بين مستشفى بحري ومستشفى النهر، تنقل فيها باقسام الطب المختلفة، وقبل ان يكمل عامه الأول، تم نقله إلى جنوب الاستوائية بعد ان كتب عنه المفتش الانجليزى تقريراً أوضح فيه انه كثير التردد على نادي الموظفين.
رفض طه بعشر أمر النقل وبعد وساطات من زملاءه، إنتقل الى أعالي النيل التي عمل فيها لعام ونصف العام حتى لحقت به مؤامرات الانجليز توجساً من علاقاته الشعبية التى بدأت في الاتساع بعد أن انشأ فريقاً لكرة القدم في ملكال.
(4)
بعد انتهاء فترة دراسته بلندن، بدأ يباشر عمله بالعيادة التي ازداد عدد مرضاها، فإتصل بوزير الصحة وقتها الاستاذ محمد نور الدين طالباً منه إيجاد مقر آخر للعيادة أكثر سعة من الاول، فصدق لهم بقطعة ارض لإنشاء العيادة الجديدة شمال غرب مستشفي بحري الحالية، افتتحها الفريق ابراهيم عبود 1960م.
يقول بعشر:
(بعدها قمنا بإستئجار المنزل الذي يقابل العيادة، مشيراً الي ان قسم الطب النفسي بمستشفي الخرطوم تأسس في العام 1962م.
العيادة كانت بيتاً عادياً يقوم الدكتور التجاني الماحي بدفع ايجار العيادة وبيوت اخرى مجاورة لأسر المرضى, وكانت لهم علاقة وطيده مع المعالجين التقليديين خاصة مع شيوخ ام ضوابان.
(5)
من الطرائف التى روتها الدكتورة نفيسة أحمد الامين في أمسية ندية بمنتدى الخرطوم جنوب وفاءً بالدكتور طه بعشر، ان الفنان عبد الكريم الكابلى كان يشدو في احدى الحفلات:
تاني ريدة وكمان جديدة؟!
وعندما جاء في مقطع:
الخوف ياغالي تسرح طوالي
أكملت احدى الحسناوات الاغنية التى لاقت هوى فى نفسهاالمقطع بصوت عال:
ــ بعشر طوالي..!
عن فن الجنون في السودان:البروفيسور طه بعشر في قراءة ثانية